ابن عربي
235
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
ما اختلفتم في أحديته فقال : « وَإِلهُكُمْ » فجمعنا وإياهم « إِلهٌ واحِدٌ » ، فما أشركوا إلا بسببه فيما أعطاهم نظرهم ، ومن قصد من أجل أمر ما فذلك الأمر على الحقيقة هو المقصود لا من ظهر أنه قصد ، ولهذا ذكر اللّه أنهم يتبرءون منهم يوم القيامة ، وما أخذوا إلا من كونهم فعلوا ذلك من نفوسهم لا أنهم جهلوا قدر اللّه في ذلك ، ألا ترى الحق لما علم هذا منهم كيف قال « وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ » ، ونبههم فقال ( سَمُّوهُمْ ) فيذكرونهم بأسمائهم المخالفة أسماء اللّه ، والأسماء الإلهية كلها للمرتبة أي لمرتبة الألوهية إلا الاسم الواحد خاصة ، فهو اسم خصيص بالذات المقدسة التي لها نعوت الكمال والتنزيه ، لا يشاركها في حقيقته من كل وجه أحد لا من الأسماء ولا من المراتب ولا من الممكنات ، واعلم أن العبد الحق لا ينبغي أن يضاف إليه شيء ، فهو المضاف ولا يضاف إليه ، فإذا أضاف السيد نفسه إليه فهو على جهة التشريف والتعريف ، مثل قوله « وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ » . - راجع سورة الأنبياء آية 108 - « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ » هذا هو أول توحيد يذكر في القرآن من الستة
--> خيرا ، ومن سئل عن علم فكتمه ألجمه اللّه بلجام من نار ] وقد نهى اللّه نبيه عن انتهار سائل العلم تعليما لنا ، فقال : ( وأما السائل فلا تنهر ) لأنه قال له : ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) أي حائرا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ، يقول : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ » أي يخفون « ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ » يقول : من الأدلة على صدق ما جاء به « وَالْهُدى » في الكتاب المنزل عليهم « مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ » من أجل الناس فيه ، فأخفوه عما لا يعرف الكتاب ، وهم المقلدة الأميون « أُولئِكَ » إشارة إلى الكاتمين ذلك « يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ » يطردهم اللّه عن كل ما فيه راحة لهم وخير في الدار الآخرة ، فإن اللعن في اللسان الطرد واللعين المطرود « وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ » يحتمل وجهان : الوجه الواحد أن تكون لعنتهم إياهم قولهم : [ لعنهم اللّه ] على جهة الدعاء ، والوجه الآخر يوم القيامة حين تطردهم الملائكة عن الجنة إذا عاينوها في قوله : ( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) فذلك لعنة اللاعنين ، ثم استثنى منهم من رجع عن ذلك الكتمان ( وَأَصْلَحَ ) * أي وعمل صالحا ( وَآمَنَ ) * باللّه ورسله صدقا من قلبه ( وَبَيَّنُوا ) وأعلموا من لا يعرف الكتاب من الأميين المقلدين ما أنزل اللّه وبيّنه في كتابه من الأدلة على صدق رسله ووعده ووعيده وأحكامه ، فقال : ( 161 ) « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ » أي أرجع عليهم برحمتي ، فأنعم عليهم بالخير الذي طردتهم عنه « وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » قد تقدم تفسيره ، ثم قال فيمن لم يتب ومات على كفره ( 162 ) « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ » يقول : من استصحبه حال الكفر حتى مات